عبقرية بداية 12 Angry Men
في الأفلام السينمائية يكون الدخول والبداية من أهم عناصر الفهم، فبهما يستعرض المخرج هدفين أساسيين:
أولاً: الأجواء التي يتضمنها الفيلم، والإحساس الرئيسي والمناخ النفسي المطلوب إيصاله، والرسالة الأساسية التي يتمحور حولها الفيلم.
ثانياً: المكان الذي ستدور فيه الأحداث أو تتمحور حوله بصورة عامة.
ويتميز 12 Angry Men بواحدة من أذكى البدايات التي تُريك هذين العنصرين بأوضح صورة، مع رسالة توضح لك الطابع العام المراد إيصاله والحالة العامة، وكل هذا من الصورة والبيئة البصرية فقط، قبل أن تبدأ المداولات الفعلية.
اللقطة التأسيسية الأولى (Establishing Shot):

تبدأ اللقطة الأولى من أمام سلالم مبنى ذي أعمدة شاهقة، ثم تصعد الكاميرا تدريجياً وبشكل بطيء ورائق جداً إلى أن تصل إلى الكلام المنقوش أعلى المبنى، وإن ركزت فسترى فيه كلمة العدالة، وأن المبنى مبنى محكمة. يحاول المخرج سيدني لوميت من أول لقطة أن يوصل لك أن هذا هو المكان الأساسي للقصة، وسنكتشف بعد قليل أن الحبكة كلها تقريباً ستدور فيه وبداخله
ولا تبدو الأعمدة الكلاسيكية الشاهقة التي ترافق هذا الصعود تفصيلاً عابراً؛ فالأعمدة لطالما كانت من رموز الاستقرار والقوة والمثالية القانونية المجردة المتمثله فيها القويه بالقاضي وبين الإستقرار بالراي بهيئة المحلفين، وكأن المخرج يحاول أن يوصل لك أن العدالة فكرة سامية ترتفع وتبرز بالنظام والثبات المؤسسي. لكن الفكرة هنا تكمن في التناقض الصارخ الذي سينكشف لاحقاً بين جلال هذا المبنى وأعمدته (العدالة المثالية) وبين هشاشة البشر الذين يحر
كون هذه العدالة من الداخل وتحديدا جزء من الجزئين
المشهد الثاني (لقطة التتبع - Tracking Shot):

في المشهد الثاني نرى عكس اللقطة الأولى تماماً؛ فعندما تبدأ اللقطة تكون الكاميرا من الأعلى، ثم تنزل إلى داخل بناية المحكمة، وفي الأسفل يتحرك البشر. وإن تأملت المشهد وحللت تفاصيله، يمكنك أن تقرأ بدايته من الأعلى على أنها من منظور العدالة نفسها، تلك التي تجسد العلو، وكأنها تقول إنها "Above Everything"، ثم تهبط الكاميرا إلى مستوى البشر. ويمكننا تلخيص بداية هذه اللقطة بعبارة "Justice above human".
ومن بعدها تستمر الكاميرا بحركة متواصلة دون قطع (Continuous Tracking Shot) لكي تُشعرك بأنك تتنقل وسط هذا الزحام البشري المليء بالعواطف المتدفقة. وتؤكد الكاميرا هذا التخبط حين تلحق بشخص يبدو واثقاً جداً ومسيطراً،

ثم تنتقل إلى شخص متعرق ومتوتر وخائف بوضوح،

ثم إلى ثالث فرح وسعيد جداً،

وكأنها تقول إن العواطف والطبيعة البشرية حالة من التخبط لا تتسق مع العدالة وأعمدتها الرمزية؛ فهي مزاجية ومتقلبة، ولا يُعتمد عليها وحدها في أحكام تقرر مصائر الناس. ثم تصل الكاميرا إلى باب أسود مغلق وينتهي المشهد.
المشهد الثالث (قاعة المحكمة):

يتحدث القاضي إلى هيئة المحلفين عن القضية، وأنه حان وقت اتخاذ القرار النهائي بشأن الجريمة، وهنا يتدخل عنصر حاسم في رسم الأجواء العامة:
الصوت والنبرة: صوت القاضي وهو يلقي التعليمات كان آلياً، رتيباً، وبدون أي عواطف بل هو صوت موضوعي تام، مما يؤكد أن المنظومة والعدالة بالنسبة له أصبحت حقيقه مطلقه لا يهتم بها لمدة تاثره بالقضيه أو تعاطفه بل هيه قوى صرفه موضوعيه للحقيقه لانه كما يبدو ادرك أن الاهواء والاراء ليس لها دخل بالحكم النهائي.
ثم نلاحظ شيئاً غريباً جداً في تأطير المشهد (Framing) وزاوية الكاميرا؛ فهي تظهر القاضي في أقصى اليمين جداً في الإطار وتظهر هيئة المحلفين في التكوين المقابل، وكأنهما متناقضان في هذه اللحظة ومتعاكسان وليس بينهما أي اتحاد أو قدسية للقرار، وهذا يثير مدعاة للريبة لان اذا كان القاضي يرمز للقوه وهيئه المحلفين التي تمثل الإستقرار بالراي كانما همه مختلفين وليسوا متسقين ولن يستطيعوا إقامة العداله وجعلها تسموا لأنهم ليسوا متحدين ف القاضي يمثل أقصى اليمين وهيئه المحلفين في أقصى اليسار فهنالك اضطراب بينهم.
وفي لحظة عابرة تقترب الكاميرا من وجه المتهم، شاب صغير، لتذكّرنا بما هو على المحك فعلاً.
المشهد الرابع (غرفة المحلفين):

ثم ننتقل مع المحلفين إلى غرفتهم، وهنا يأتي عنصر آخر في رسم المناخ النفسي، وهو الضغط البيئي والحرارة: فالمخرج يُريك العرق على الوجوه، والمروحة المعطلة، والجو الخانق، ليوصل لك أن الحرارة ليست مجرد طقس، بل ضغط نفسي يثقل كاهل هؤلاء البشر ويدفعهم للرغبة في إنهاء الأمر بسرعة. وانظر إلى المفارقة: من مبنى شاهق بأعمدة عملاقة إلى غرفة صغيرة خانقة تُحسم فيها مصائر الناس.
وحينما ندخل لنتابع أحداث الفيلم نرى أن هيئة المحلفين بالفعل متخبطة ومضطربة ولا تملك رأياً موضوعياً، بل في البداية تراهم مثل الأشخاص الذين في المشهد الثاني: كل شخص متخبط بشعوره في مكان واحد، ولكن الفرق هنا أنهم هم من يولدون القرارات التي سوف تخبط حياة الناس، فكان يجب أن يكونوا مستقرين.
غير أنهم في النهاية، وبعد هذا التخبط، يستقرون على رأي واحد ويصبحون كالأعمدة التي رأيناها في أول لقطة، في ثباتها واستقرارها وقوتها واحده مع القاضي المتمثل بالقوه، وهنا يطبق الكاتب الرمزية التي بدأ بها الفيلم.
بعد هذه المشاهد التي لا تتجاوز دقيقتين، تلاحظ كيف جهزك المخرج لملحمة رائعة وأعدك بالعدة والسلاح اللازم؛ فلقد وضح لك المكان، والبيئة، والرسالة التي يريد إيصالها، والرمزيات من خلال المكان، وزاوية الكاميرا، وحركتها، والطقس، والتمثيل. ومن هذا الجانب تتجلى عبقرية هذا الفيلم الذي ومنذ عام 1957 ما زال يُصنف من أذكى الأفلام، وفي رأيي أن بدايته هي أبرز وأجمل ما فيه وما يجعل تجربة مشاهدته مميزة جداً
وهذه مقوله من مقولات المخرج عن الفلم
"الدراما الجيدة لا تحتاج إلى مطاردات سيارات أو انفجارات. في هذا الفيلم، كل الحركة والإثارة تنبع من عقول الرجال وتصادم شخصياتهم. الكلمة هنا هي السلاح، وتغيير رأي إنسان هو العقدة الذروية للقصة"
-سيدني لوميت

